لا للتدريب .. نعم للتعليم التطبيقي

مقتطف من كتاب

هذا المقتطف من الفصل السادس 263– المبحث الأول من كتاب  ثلاثية التَميُّز المؤسسي و الإدارة بالتكامل
تأليف : زاهر بشير العبدو* 
استنبول – 02 فبراير2019

لا للتدريب…
أوقف التدريب فالموارد محدودة مهما بلغت…
أوقف التدريب كي لا تكون جسراً لفشل المنظمة…
فالمشكلة التي يقع فيها غالبية متخذي القرار ومدراء التدريب و مسؤولي الموارد البشرية، هي عدم كفاية ادواتهم لتقييم وقياس العائد على التدريب، وبالتالي
تذهب غالبية جهودهم في برامج تدريبية مجتزأة ومرتجلة بمسميات فضفاضة ومحتويات رنانة ومحاور طنانة لا يتحقق منها بنهاية البرنامج التدريبي سوى الشهادة الصورية التي يحصل عليها المتدرب وحتى بدون حضور في بعض الحالات بالاتفاق مع المركز التدريبي المنظم للبرنامج التدريبي، سواء بعلم ادارة المنظمة او بدون علمها بتواطؤ غير معلن..
القضاء على اية فرصة قد تستفيد منها المنظمة من التدريب.. وسواء كان ذلك بعلم أو بدون علم المعنيين بشؤون التدريب في المنظمات فإنه لا يمكن القول عنه إلا أنه فساد ممنهج لتحويل مخصصات التدريب الى نفقات وأعباء تتحملها المنظمة تصب في النهاية في غير ما وجدت من أجله، بدل أن تكون استثمار يوفر لها فرص النهوض بمهامها وتحقيق تحسين مستمر في أدنى حالاته.. و خير دليل على ما أشرنا إليه هو النتائج التي تحققها غالبية المنظمات بسبب التدريب والهدر الكبير تحت مسمى صيانة الموارد البشرية أو التدريب والتأهيل، بعد أن باتت هذه المخصصات أحد اهم أدوات النهب المنظم لموارد المنظمة بشكل قانوني، تدعمه شبكة من الاغبياء أو المرتزقة الذي يقتاتون من هذا الحال الفاسد.
إن غياب أبسط مفاهيم التدريب وتقييمه وقياسه، كانت سبباً رئيسياً لذلك التردي في نتائج العائد من التدريب، وفي المباحث التالية سنتناول بالشرح أهم بنود الاطار المنهجي للاستثمار في التدريب.
تتولد اهمية التدريب كونه مصدر توفير عمالة متطورة باستمرار بما يتناسب مع التطورات في عالم التكنولوجيا والإتصال و إدارة الأعمال، وتزداد الحاجة للتدريب مع تزايد المنافسة وسعي المنظمات لزيادة قدرتها التنافسية، ومن هذا الدور يسعى التدريب إلى إكساب العاملين المهارات والمعلومات والمعارف التي يتطلبها أداؤهم لوظائفهم بفعالية وكفاءة تحتفظ على تميز المنظمة بين منافسها وتحقق لأصحاب الدور الايجابي©PRH فيها الفائدة المستمرة التي يرجونها.
ولا يقتصر الأمر لمهمة التدريب ودوره في توفير تلك المعارف بل يتعداه إلى مهمة التطوير المستمر لضمان التعامل بأفضل وجه مع أية مستجدات تواجه العمل، وكذلك تسليحهم بالمقدرة على توليد مبادرات تمكنهم من زيادة دورهم كجزء من تطور المنظمة وتطويرها.

نعم للتعليم التطبيقي..
لقد استطاع تمكين العاملين التطبيقي القائم على التأهيل قبل التمكين -بمعناه الواسع- أن يحقق الكثير من المنافع لهم وللمنظمة التي يعملون بها نذكر منها:
تقليل من معدلات دوران اليد العاملة والغياب وحوادث العمل.
زيادة المردودات الاجتماعية لاسيما بما يتعلق برفع مستوى المعيشة وتقليل معدلات البطالة.
الحد من الفجوة الناجمة عن قصور مخرجات التعليم في تلبية حاجات سوق العمل.
زيادة فرصة الحصول على العمل.
تلبية الحاجة لمواكبة التطور المستمر في تكنولوجيا المنتجات والخدمات المتزايدة المطلوبة باستمرار.
توفير مستلزمات ادارة الاعمال وفق المناهج الجديدة التي ثَبُتَ نجاحها.
المساهمة في زيادة الحصة السوقية للمنظمة نتيجة زيادة القدرات التنافسية او المحافظة على تلك الحصة على أقل تقدير.
تحقيق المزيد من الكفاءة الاقتصادية وتوفير عوائد أكثر من المتوسط، لاسيما بعد تكريس الفكر الاستراتيجي والاعتماد على التخطيط الاستراتيجي كوسيلة لقيادة المنظمة وفق مرتكزات الادارة الاستراتيجية بالتكامل ©MBI.
كل هذه العوامل وغيرها ساعدت بشكل كبير على فهم الحاجة للتدريب كتعليم تطبيقي وعزز مفهومه كاستثمار حقيقي في أهم موارد المنظمة لا يقل إن لم يكن أهم من الاستثمارات في الاصول الراسمالية، لاسيما بعد ان استطاعت المنظمات التي تبنت التعليم التطبيقي كجزء أساسي من استثماراتها، وحققت عوائد تمكنت من قياسها عبر زيادة معدلات الانتاجية وتحقيق مؤشرات أداء أفضل حققت معه أهدافها الطموحة بعد ان وفرت له مستلزمات فاعليته وكفاءته.
وقد دَلَّت تجارب ونجاحات تلك المنظمات أن الاستثمار في التعليم التطبيقي لا يرتبط بحجم المنظمة او طبيع المنتجات/ الخدمات التي تقدمها لأن التعليم التطبيقي وفق ضوابط برنامج لإعادة تأهيل المنظمات للتَمَيُّز المؤسسي ©RPIE استطاع أن يحل المشكلات التي تعاني منها المنظمات سواء كانت تلك المعاناة من مشاكل إدارية او تسويقية، أو مشاكل إنتاجية وفنية.
إن استعمالنا لمفهوم التعليم التطبيقي بدل كلمة التدريب هو اننا نرى أن معنى التدريب يرتبط أكثر بمفهوم التعويد والتمرين، ففي معجم المعاني الجامع «درَّبه على الشَّيءِ / درَّبه في الشَّيء : عَوَّدَه إيّاه ومَرَّنَه عليه» وكذلك تدرّب بالأمر / تدرّب على الأمر :اعتادَه ، تعوَّد عليه ، تمرَّن عليه :- تدرَّبَ على الانضباط / ركوب الخيل / السَّير.
ولهذا فإن مضمون كلمة التدريب أقرب ما تكون إلى التقليد والحفظ أو بمعنى أوسع تتوافق مع الاعمال التي لا تتطلب تفكير بقدرما تتطلب تنفيذ، فتشغيل الآلة مثلاً يخضع لمجموعة من الخطوات الواجب اتباعها كي تعمل الآلة بشكل متوافق مع طريقة تشغيلها حسب المصنع، وأن أي مخالفة في ترتيب تلك الخطوات او نقصها يجعل الآلة لا تعمل أو تعمل بشكل غير سليم، على حين نرى ان مفهوم التعليم التطبيقي يتناسب أكثر مع ما نسعى لتحقيقه من الاستثمار في نقل أو تطوير المعارف والمهارات أو المعلومات و إعمال العقل أثناء وبعد عملية النقل هذه.
لقد تبنت هذا المفهوم الادارة اليابانية وإن لم تسمها بهذا الاسم، عندما نقلت الغاية من التدريب من:
معرفة كيف ?To knew How
الى معرفة لماذا ?To Now Why
وقد ناقشنا هذين المضمونين في كتابنا «التكامل او الفناء» في معرض مناقشتنا للتجربة اليابانية، وأهم أسباب تكونها.

والفرق الجوهري بين المعنيين هو التفكير بما تتعلمه والعمل على استثماره بالتطبيق العملي، وليس التقليد بحفظ المعنى كما هو حال منهج التعليم التقليدي في جامعاتنا هذه الأيام التي كرست التبعية الفكرية و حاربت البحوث العلمية، وجعلت البيئة البحثية في بلادنا بيئات طاردة كي يستفيد منها الغرب ويشيد حضارته المتوحشة على سلب ثروات الشعوب ونهب تاريخها وحاضرها ومستقبلها.
أن منهج التعليم التطبيقي أيام نهضة وسيادة الدولة العربية والاسلامية ما تزال معروفة، بل وباتت قصص تروى من باب الترحم على تلك الأيام، وكأنها إندثرت رغم توفر كل مقومات نهوضها من جديد إذا توفرت الارادة الصحيحة والايمان الصادق.
فالطب عند العرب في العصور الوسطى -كمثال- كان صناعة نبيلة لا يسمح بتعاطيها إلا لمن حصل على خبرة واسعة عالما بالتشريح ملما بعلم وظائف الأعضاء خبيرا بالنبض محيطا بجميع العلوم التي لها صلة قريبة أو بعيدة بالطب، و أن العرب هم المؤسسون الحقيقيون للصيدلة وهم الذين انشئوا المدارس لتعليمها والحوانيت لبيع الأدوية وصرفها، كما أنهم أول من وضعوا كتباً خاصة بتركيب الأدوية أطلقوا عليها الأقرباذين و أخضعوا هذه الصناعة لرقابة المحتسب.
وان البيمارستان النوري بدمشق الذي أنشأه السلطان الملك العادل نور الدين محمود عام 549هـ/1154م تَعَلَّمَ فيه أشهر الأطباء بلك العصر، ومنهم ابن النفيس الدمشقي (607هـ/1213م، دمشق – 687هـ/1288 م) مُكتشف الدورة الدموية الصغرى ومن مؤلفاته الشامل في الصناعة الطبية أضخم موسوعة طبية كتبها شخص واحد في التاريخ الإنساني، وقد وضع مسودتها بحيث تقع في ثلاثمائة مجلد بيّض منها ثمانين. وتمثل هذه الموسوعة الصياغة النهائية والمكتملة للطب والصيدلة في الحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.