sma 1

الاستراتيجية التنافسية

من خلال كتابه «الاستراتيجية التنافسية»

مايكل بورتر يبرز دور هيكل الصناعة والقوى الخارجية في تحديد قواعد لعبة الاستثمار

المصدر: الاتحاد

أحمد السعداوي

يقدم كتاب “الاستراتيجية التنافسية” لمؤلفه مايكل بورتر إطاراً شاملاً للأساليب التحليلية التي تساعد المؤسسات في تحليل صناعتها والتنبؤ بتطورها في المستقبل، وفهم منافسيها وترجمة ذلك إلى استراتيجية تنافسية لأعمالها، ويحدد بورتر ثلاث استراتيجيات تنافسية أساسية مستعرضاً المهارات والموارد المطلوبة والعناصر التنظيمية والمخاطر المرتبطة بكل استراتيجية.

يوضح مايكل بورتر أنه قبل “الاستراتيجية التنافسية” كان معظم التفكير الاستراتيجي يركز على تنظيم الموارد الداخلية للشركة وتكييفها لمواجهة ظروف محددة في السوق، أو زيادة تنافسية الشركة عن طريق خفض الأسعار لرفع الحصة في السوق، ومن خلال كتابه “الاستراتيجية التنافسية” يسعى بورتر إلى إحداث التوافق بين هذه النُهُج، مقدما للإدارة طريقة جديدة للنظر في الاستراتيجية من وجهة نظر الصناعة نفسها بدلاً من وجهة نظر الأسواق أو القدرات التنظيمية.

جمعية الادارة السورية SMA
القوى الاجتماعية
من أجل التعريف بالاستراتيجية التنافسية التي يدعو إليها يعمد بورتر في البداية إلى القيام بعملية تحليل هيكلي للصناعات، قائلاً إن جوهر صياغة الاستراتيجية التنافسية هو إقامة علاقة بين الشركة وبيئتها، وعلى الرغم من أن البيئة ذات صلة واسعة جداً، وتشمل القوى الاجتماعية فضلاً عن الاقتصادية، فإن الناحية الرئيسية لبيئة الشركة هي الصناعة أو الصناعات التي تنافس عليها، ولهيكل الصناعة تأثير قوي في تحديد القواعد التنافسية للعبة بالإضافة إلى الاستراتيجيات المحتمل توافرها للشركة، كما أن القوى الخارجية تؤثر على كل الشركات في الصناعة عادة، فإن المفتاح يكمن في تباين قدرات الشركات على التعامل معها”.

ويشير بورتر إلى أن حدة المنافسة في الصناعة ليست مسألة مصادفة ولا حظاً عاثراً بل أن للمنافسة في صناعة ما جذوراً في هيكلها الاقتصادي الأساسي وتتجاوز كثيراً سلوك المنافسين الحاليين، وفي هذا السياق يلفت إلى أن حدة المنافسة تتوقف على خمس قوى تنافسية أساسية هي:

1- الموردون، ومدى قدراتهم على المساومة.

2- المشترون. ومدى قدرتهم أيضاً على المساومة.

3- الداخلون المحتملون وما يحملونه من تهديدات قادمة.

4- المنافسون من أصحاب الشركات القائمة.

5- البدائل، وما تمثله تهديدات المنتجات أو الخدمات البديلة.

طبيعة المنافسة

يستفيض بورتر في تحليل كثير من تلك العوامل التي تؤثر على المنافسة في الصناعة، بغرض التوصل إلى إطار يساعد على التعرف بسرعة على المزايا الهيكلية الحاسمة لتحديد طبيعة المنافسة في صناعة معينة، ويخلص المؤلف إلى أن الاستراتيجية التنافسية يمكن وصفها بأنها اتخاذ إجراءات هجومية أو دفاعية لإنشاء موقف يمكن الدفاع عنه في صناعة ما، والتعامل بنجاح مع القوى التنافسية الخمس وبالتالي تحقيق عائد أعلى على الاستثمار للشركة.

ويضيف بورتر أن الشركات اكتشفت العديد من المقاربات المختلفة لتحقيق هذا الهدف، وأفضل استراتيجية تتبعها شركة ما هي في نهاية المطاف بناء فريد يعكس ظروفها الحالية، غير أنه يمكن تحديد ثلاث استراتيجيات عامة متسقة داخلياً (يمكن استخدامها أحادياً أو كمجموعة) لإنشاء مثل هذا الموقع الذي يمكن الدفاع عنه على المدى البعيد والتفوق على المنافسين في الصناعة، وهذه النظريات هي:

أولاً: الريادة الإجمالية في التكلفة، وهذه الاستراتيجية كانت أكثر شيوعاً في سبعينيات القرن الماضي، وتتطلب الريادة في التكلفة إقامة منشآت ذات أحجام تتسم بالكفاءة والسعي الحثيث لخفض التكاليف الذي يتأتى بالخبرة والرقابة الشديدة على التكلفة والمصاريف الثابتة، وتجنب حسابات العملاء الحدية وخفض التكاليف في مجالات مثل البحث والتطوير والخدمة وفريق المبيعات والإعلانات وما إلى هنالك، ومن الضروري إيلاء قدر كبير من الاهتمام الإداري لتحقيق هذه الأهداف، ويصبح انخفاض التكلفة بالنسبة إلى المنافسين المطلب الأساسي للاستراتيجية بأكملها، على الرغم من عدم إمكانية إهمال الجودة والخدمة والمجالات الأخرى.

مقاربات عديدة

ثاني هذه الاستراتيجيات: التميز، وتعني تمييز المنتج أو الخدمة التي تعرضها الشركة بإنشاء شيء يعرف في الصناعة بأكملها بأنه فريد، ويمكن أن تتخذ المقاربات نحو التميز العديد من الأشكال، مثل صورة التصميم أو العلامة التجارية، والتكنولوجيا، وخدمة الزبائن، وشبكة الموزعين، أو غيرها من الأبعاد التي تميز شركة عن غيرها في عالم الصناعة. ويؤكد الكاتب هُناك أن الشركة التي تحقق هذا التميز، أنجزت استراتيجية حيوية لكسب عوائد فوق المتوسط في صناعة ما لأنه ينشئ موقعاً يمكن الدفاع عنه للتعامل مع القوى التنافسية الخمس.

أما التركيز فهو ثالث هذه الاستراتيجيات التي يتحدث عنها بورتر، والتركيز هنا يقوم على مجموعة مشترين أو قطاع من خطر منتجات أو سوق جغرافية معينة، والتركيز يأخذ أشكالاً عدة، غير أنه يهدف في الأساس إلى تقديم خدمة جيدة إلى هدف محدد، وتوضع كل السياسات الوظيفية آخذة ذلك في الحسبان، وتقوم هذه الاستراتيجية على المقدمة المنطقية بأن الشركة ستكون بالتالي قادرة على تقديم خدمة لهدفها الاستراتيجي الضيّق تتسم بفاعلية وكفاءة أكبر مما تقدمه الشركات المنافسة التي تنافس على نحو أكثر اتساعاً، ونتيجة لذلك تحقق الشركة التميز في تلبية احتياجات محددة بشكل أفضل أو انخفاض التكاليف في خدمة ذلك الهدف أو الاثنين معاً، وهو ما يجعل الشركة التي تحقق التركيز تكسب عائدات فوق المتوسط في صناعتها، كما أن التركيز يمكن استخدامه في انتقاء أهداف أقل تعرضاً لتهديد البدائل أو التي يكون المنافسون ضعفاء فيها.

تحليل المنافسين

يعول بورتر على أن الاستراتيجيات العامة الثلاث السابقة لها مخاطرها العديدة ومن أهمها: 1- عدم إمكانية الوصول إلى استراتيجية أو المحافظة عليها.

2- تآكل قيمة الميزة الاستراتيجية التي توفرها الاستراتيجية بتطور الصناعة، وهنا يشير بورتر إلى أن الاستراتيجيات الثلاث تستند إلى إقامة أنواع مختلفة من الدفاعات في مواجهة القوى التنافسية، ولذلك من الطبيعي أن تنطوي على أنواع مختلفة من المخاطر.

ومن الاستراتيجيات الثلاث ينتقل بنا بورتر إلى تحليل المنافسين باعتباره من النواحي المركزية لاستراتيجية التنافسية، التي يروم الكاتب عرضها والتبشير بها.

ويرمي تحليل المنافسين إلى معرفة طبيعة التغيرات الاستراتيجية التي من المرجح أن يجريها كل منافس ونجاحها والردّ المحتمل لكل منافس على مجموعة التحركات الاستراتيجية الممكنة التي يمكن أن يقوم بها كل منافس، وردّ الفعل المحتمل لكل منافس على مجموعة التغيرات في الصناعة والتحولات البيئية الأوسع التي يمكن أن تقع. غير أن بورتر يوضح أنه بالرغم من الحاجة إلى إجراء تحليل متطور للمنافسين عند صياغة الاستراتيجية، فإن مثل هذا التحليل لا يجري صراحة في بعض الأحيان أو بشكل شامل في الواقع.

أسئلة حاسمة

أما عن مكونات تحليل المنافسين فيحددها فيما يلي:

1- الأهداف المستقبلية: باعتبار معرفة تلك الأهداف تتيح التنبؤ بما إذا كان كل منافس راضياً عن موقعه الحالي ونتائجه المالية أم لا، وبالتالي كيف يحتمل أن يغير ذلك المنافس استراتيجية وقوة رد فعله على الأحداث الخارجية أو تحركات الشركات الأخرى.

ثم يذكر بورتر مجموعة من الأسئلة تساعد في تحديد أهداف المنافس الحالية والمستقبلية، بحيث يبدأ النظر في وحدة العمل أو القسم الذي يشكل في بعض الحالات الشركة المنافسة بأكمله، وبعد ذلك نتفحص تأثير الشركة الأم على الأهداف المستقبلية لوحدة العمل في الشركة المتنوعة العمليات.

2- الافتراضات: وتقع في فئتين رئيسيتين وهما (افتراضات المنافس ذاته – افتراضات المنافس عن الصناعة والشركات الأخرى فيها).

3- الاستراتيجية الحالية: أي وضع بيانات عن الاستراتيجية الحالية لكل منافس، كون استراتيجية المنافس مفيدة باعتبارها السياسات التشغيلية الرئيسية في كل مجال وظيفي للعمل وكيف تسعى إلى إقامة علاقة بين الوظائف وقد تكون الاستراتيجية صريحة أو ضمنية.

4- القدرات: التقييم الواقعي لكل قدرة من قدرات المنافس هو الخطوة التشخيصية في تحليل المنافس فأهدافه وافتراضاته والاستراتيجية تؤثر على احتمال ردود أفعال المنافس وتوقيتها وطبيعتها وشدتها، وتحدد مواطن قوته وضعف قدرته على بدء خطوات استراتيجية أو الرد عليها وعلى التعامل مع الأحداث التي تقع في البيئة أو الصناعة.

ثم يضع كاتبنا تلك المكونات الأربعة معاً بما يساعد على طرح أسئلة حاسمة تؤدى إلى تكوين لمحة عامة توضح كيفية استجابة المنافس على الأرجح. وهو ما يكون عبر عدة خطوات وهي:

أولاً: خطوات هجومية وتعني توقع التغيرات الاستراتيجية التي بدأها المنافس عبر معرفة مدى رضاه عن الموقف الحالي وخطواته المحتملة وكذا قوة تلك الخطوات وجديتها.

ثانياً: القدرة الدفاعية: أي إنشاء لائحة بمجموعة الخطوات الاستراتيجية المجدية التي يمكن أن تتخذها شركة في الصناعة والتغيرات البيئية التي يمكن أن تقع، ومن ذلك الحصانة أي الخطوات الاستراتيجية والأحداث الاقتصادية والحكومية التي قد يكون المنافس أقل حصانة تجاهها، أيضاً الاستفزاز، ويقصد به الخطوات أو الأحداث التي تثير رداً انتقامياً من المنافسين حتى إذا كان الانتقام مكلفاً ويؤدي إلى أداء مالي حدي.

إشارات السوق

يعرج الكاتب إلى تناول ما يعرف بإشارات السوق التي من خلالها نستطيع جمع معلومات كثيرة تساعد في تحليل المنافس وصياغة الاستراتيجية، ومن أهم أنواع الإشارات:

1- الإعلانات المسبقة عن التحركات.

2- الإعلان عن النتائج أو الأعمال بعد وقوعها.

3-مناقشات شؤون الصناعة من قبل المنافسين.

4- مناقشات المنافسين والتفسيرات التي يقدمونها لخطواتهم.

5- تكتكيات المنافسين بالنسبة إلى ما كان بوسعهم أن يفعلوه.

6- طريقة تنفيذ التغييرات الاستراتيجية في البداية.

وفي فصل بعنوان “الاستراتيجية الموجهة للمشترين والموردين”، يسعى بورتر إلى إبراز بعض نتائج التحليل الهيكلي لانتقاء المشترين أو اختيار الزبائن أو مجموعات الزبائن المستهدفين كما يستعرض بعض نتائج التحليل الهيكلي لاستراتيجيات المشتريات ويلفت إلى أن النظر في السياسات تجاه المشترين والموردين على السواء ضيق جداً، ويمنح الاهتمام الأولى للمشاكل التشغيلية، ومع ذلك ربما تستطيع الشركة من خلال الاهتمام بالقضايا العريضة للاستراتيجية تجاه المشترين والموردين تحسين موقعها التنافسي وخفض قابلية تعرضها لممارستهم القوة التي يمتلكونها.

وفي باقي صفحات الكتاب يتطرَّق بورتر لاستراتيجية التنافسية لافتاً إلى أنها تلقى تقديراً متنامياً، حيث كان الاهتمام بالقضايا الداخلية للشركات في العقد الماضي حدود ظاهرة، غير أن هناك وعياً متجدداً لأهمية الاستراتيجية في إدراك لأهميتها في لوحة الإدارة الواسعة بوضوح أكبر من ذي قبل، بما يتيح تقديراً متجدداً لرؤية متكاملة للتنافسية.

المتنافسون المتكاملون

إذا كان المتنافسون في الصناعة متكاملين، فربما تزداد الضغوط من أجل فرص البناء لأن كل شركة تريد حماية قدرتها على تمويل عملياتها بعد الإنتاج. وفي هذه الظروف، إذا لم يكن لدى الشركة طاقة إنتاجية كافية لتلبية الطلب، فإنها لن تخسر حصة من السوق في الصناعة فحسب، بل ربما حصة (ارتفاع مخاطر الحصول على المدخلات) في وحدتها ما بعد الإنتاج أيضاً. لذا من المناسب أكثر ضمان الطاقة الإنتاجية الكافية حتى إذا كان هناك غموض يكتنف الطلب في المستقبل. ويمكن تطبيق المقولة نفسها إذا كان المتنافسون متكاملين خلفياً.

الصناعة الناشئة

من المشكلات الشائعة في الصناعة الناشئة أن الروّاد ينفقون موارد كبيرة في الدفاع عن الحصص الكبيرة في السوق والردّ على المنافسين الذين قد تكون فرصهم ضئيلة في التحول إلى قوى في السوق على المدى الطويل. قد يكون ذلك في جزء منه ردّ فعل عاطفياًَ. وعلى الرغم من أن الملائم في بعض الأحيان الردّ على المنافسين بقوّة في المرحلة الناشئة، فمن المرجح أن يكون من الأفضل توجيه جهود الشركة نحو بناء قواها في الصناعة النامية. بل ربما يكون من الملائم تشجيع دخول بعض المنافسين، ربما عبر الترخيص أو وسيلة أخرى. وبالنظر إلى خصائص المرحلة الناشئة، غالباً ما تستفيد الشركة التي تبدي همة في بيع منتج الصناعة وتساعد في التطور التكنولوجي. وربما ترغب الشركة أيضاً في منافسين ذوي أحجام معروفة، بدلاً من الاحتفاظ بحصة كبيرة لنفسها وترغيب الشركات الكبيرة الراسخة في الدخول عندما تنضج الصناعة.

#منظمة الادارة العربية / Arab Management Organization – #AMO#

المصدر: الاتحاد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.